الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

424

انوار الأصول

باليقين لا نقض اليقين بالشكّ ، فتأمّل . ويمكن تبيين هذا المعنى من طريق آخر وهو أنّ المراد من الشكّ في أدلّة حجّية الاستصحاب هو الحيرة الحاصلة من عدم وجود طريق إلى الواقع ، فإذا قامت عنده الأمارة التي هي من الطرق المعتبرة لم تبق له حيرة ولا يصدق عليه أنّه سالك بلا طريق ، فكأنّ معنى الشكّ عند العرف في أمثال المقام أضيق من الشكّ الفلسفي ، كما أنّ اليقين عندهم أوسع من اليقين الفلسفي ، وحينئذٍ لا يصدق على رفع اليد عن اليقين بالأمارة أنّه نقض اليقين بالشكّ بل يصدق عليه عند العرف أنّه نقض لليقين باليقين . ويؤيّد ما ذكرنا ما مرّ من أنّ من أدلّة حجّية الاستصحاب هو بناء العقلاء ، ولا إشكال في أنّهم يعتمدون على الاستصحاب في خصوص موارد التردّد والحيرة ، وأمّا إذا قامت أمارة على تقنين قانون جديد مثلًا أو على عزل الوكيل عن وكالته فلا يجرون استصحاب بقاء القانون السابق أو استصحاب الوكالة كما لا يخفى . فظهر أنّ الحقّ كون الأمارات واردة على الاستصحاب ، ولو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من الحكومة ( وهي أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى دليل آخر إمّا إلى موضوعه أو إلى متعلّقه أو إلى حكمه ، توسعة أو تضييقاً بالدلالة المطابقيّة أو التضمّن أو الالتزام البيّن ، وذلك لأنّ أدلّة حجّية خبر الواحد مثلًا عند الدقّة والتحليل ناظرة إلى أدلّة الأصول ، فإنّ مقتضى مفهوم آية النبأ ( أي عدم لزوم التبيّن في خبر العادل ) مثلًا إنّ ما أخبر به العادل مبيّن ( ولذلك لا يحتاج إلى التبيّن ) ولا إشكال في أنّ معناه عدم ترتيب آثار الشكّ ، وهكذا بالنسبة إلى قوله عليه السلام « ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان » إذ إنّ معناه لزوم معاملة العلم مع ما أخبر عنه الثقة وعدم ترتيب آثار الشكّ ، ولعلّ تسمية الشاهدين العدلين باسم البيّنة كانت من هذه الجهة ، أي إذا شهدت البيّنة على شيء فرتّب عليه آثار العلم تعبّداً ولا ترتّب آثار الشكّ ، وليس هذا إلّا من باب أنّ أدلّة هذه الأمارات حاكمة على أدلّة الأصول وناظرة إليها ومضيّقة لدائرتها بغير موارد قيام الأمارة ، فظهر ممّا ذكرنا أنّ إنكار المحقّق الخراساني للحكومة هنا في غير محلّه . ولو تنزّلنا عن ذلك فيمكن أن يقال بالتخصيص في الجملة ، أي التوفيق العرفي بين أدلّة الأمارات وأدلّة الاستصحاب بتخصيص عموم الاستصحاب بموارد قيام الأمارة ، والإنصاف أنّه يتصوّر بالنسبة إلى بعض الأمارات قطعاً ، نظير موارد قيام قاعدة اليد ، حيث إنّه لو لم تكن اليد مقدّمة على الاستصحاب ومخصّصة لأدلّته ، لما بقي لقاعدة اليد مورد ، وذلك لأنّها في جميع